2يوليو

التحقق من خبر انتحار فتاة أردنية – دراسة حالة

إحدى المشاريع التي أعمل عليها حالياً هو مشروع أكيد أونلاين، وهو مشروع يهدف للتحقق من الأخبار وصحّتها، وكشف الإشاعات والأخبار المزيّفة أولاَ بأول، ومن التحديّات التي تواجهنا هي كيفية الإستفادة من وسائل التواصل الإجتماعية من التحقق السريع من صحّة خبر ما. سأقدم في هذه التدوينة مثالاً سريعاً لما يمكن القيام به للتأكد من خبر ما، والآلية التي نفكر ونعمل بها، وكيف يمكن التأكد من خبر ما خلال دقائق، قمت بصياغة التدوينة على شكل دراسة حالة بشكل سريع.

تداولت مواقع الإنترنت خبراً بانتحار فتاة أردنية وأنّها تركت رسالة تهز العالم، ونشرت مواقع أردنية الخبر منها موقع ليالينا، وجاء في الصياغة “أقدمت فتاة أردنية شابة تدعى ميساء شاروف تبلغ من العمر 18 عاماً على الانتحار بعد أن تعرضت للضرب المبرح من قبل شقيقها، وذلك إثر معرفته بأنها تقدم على تدخين السجائر“، بالإضافة لذلك تم نشر رسالة مؤثرة قيل أنّها نشرتها في حسابها على فيسبوك.

بدأت عملية التحقق من الموضوع بعد قراءة الرسالة المعبّرة والتي تولّد شك لديّ أنها لا تعبر عن فتاة بعمر 18 سنة، ببحث سريع وجدت أن القصة تعود لانتحار فتاة تونسية تبلغ من العمر 18 عام في صفاقس، دون ذكر أسباب الإنتحار، والمنشور الذي كتبته في شهر أيّار مختلف عن الرسالة المتداولة، وحقيقة الأمر أنّ مدوّنا قد رثاها على مدونته الشخصية وتم أخذ كلامه ونسبه لها، وقد وضح ذلك على صفحته الشخصية.

إذن الفتاة تونسية وليست أردنية، لا يوجد أسباب للإنتحار ولكن بعض المواقع أضافت فكرة أنها انتحرت بعد أن ضربها أخوها بسبب تدخينها، الرسالة المؤثرة المنشورة لها هي رسالة رثاء من مدوّن ولم تكتبها هي.

لننتقل للتفاصيل وكيف وصلت للنتائج السابقة.

بداية بالبحث نجد الموقع التونسي الذي أشار لعملية الإنتحار وذلك قبل المواقع الأردنية وهو وطن سرب، والذي أشار باقتضاب:”أقدمت فتاة تونسيّة تبلغ من العمر (18 عاماً)،على وضع حدّ لحياتها بالانتحار شنقاً في ولاية صفاقس.”، دون تفاصيل أخرى، وأشار لمنشور كتبته الفتاة قبل مدة.

ببحث بسيط توصلت لحساب الفتاة على فيسبوك ووجدت المنشور الذي كتبته وهو بتاريخ 24 أيّار أي قبل فترة لا بأس بها وليس قبل حادثة الإنتحار مباشرة


وللتأكد من موضوع الوفاة، وجدت تعليقاً يترحم عليها لأحد أصدقاءها:


لم أجد المنشور الطويل الذي تم الإدعاء أنها كتبه والذي نصه:

أقف أمام المرآة، للمرّة الألف.
أمرّر أناملي على وجهي، أتذكر وجهي ؟ طلما قلت لي أنّه جميل، هادئ و مضيء كنجمة ليليّة بعيدة. لكنّني الآن أراه قبيحًا، قبيحًا بشكل فظيع.
آثار الكدمات الزرقاء و الأرجوانية أحيانا تغطي كامل جسدي، بالأمس أشبعني أخي ضربا لأنه اكتشف أنني ادخّن، كلّ كدَمة تذكرني بنفس من الدخان اللذيذ الذي ملأ خلايا دماغي، ضربني شقيقي الذي يستهلك علبتين من السجائر يوميّا.
انحدر بيدي نحو ثنايا جسدي المنهك،أتلمّس الزوايا المنتفخة.. أتعلم ؟ هذا العالم بائس ، و يجعل منّا بؤساء كلّ يوم، هذا العالم عبارة عن عملية تحيّل كبيرة، قام بها الله، أو لا أعلم من قام بها حقيقة، كي يوهمننا أنّنا أحياء. و كي نتخبّط  لسنوات طويلة، سائرين بخطى حثيثة نحو الموت.
الموت، تلك الكلمة الكبيرة، كم يغريني الموت لو تعلم، و يدفعني كلّ يوم نحوه، حين أكتشف أننا لا نحيا، بل نحن في انتظار الموت الذي نخافه، و لكن لا نتوقف عن ذكره في نفس الوقت:  نحن نشاهد الموت في الأخبار، نتحدث عنه في المقاهي و البرامج التلفزيونية و الدينية و الترفيهية، نلبسه في أدبشتنا، بل نحتفي في العيد بذبح حيوان مسالم.نحن، با صديقي، حتى في أوقات الحب الجنوني ، نهتف ” نموت عليك!”
لا أعلم ان كان الله على حق حين خلقني، ثم جعلني وسط هؤلاء النّاس، الجميع ينظر الي شزرا حين أمشي في الشارع، أتحوّل لقحبة لمجرّد أنني أرفض أن أتصرف كامرأة/ عبد : تعود من المعهد كي تطبخ و تنظف و ترتب أدباش أخيها و أبيها ثم تجلس كي تتحدث عن الزواج و العفّة و الشرف و الزوج المستقبلي. هل كان الله على دراية بأن مملكته التي نصبها على الأرض تتحوّل الى مذبحة يوميّة؟ هل تعمّد جعل الشرق الذي ارسل فيه جميع أنبياءه، مقبرة للنساء؟ لمَ يجرّنا جرّا نحو الموت، تلك الآلهة التي تنافسه سطوةً، و اغراءً، و خلقا من جديد؟
من أخبرك أن الموت أمر سيئ؟ هل الحياة ، بالمقابل، أمر جيّد؟ هل تسمي الاختناق اليومي ، و تلك الأيادي التي تمتد كلّ يوم كي تعبث بك، حياةً؟ أنا أأسف لحالنا فعلا، أنا ككل امرأة في الشرق، لا أجيد الدفاع عن نفسي، أكبر كل يوم و امتلأ حقدًا على اللاعدالة التي تتكدّس هنا، على الهرسلة التي تعذبنا ، نحن النساء، كل يوم. على لفظة ” العاهرة” التي تتربص بنا في كل زاوية، دون أن نفلح شيئا امام جبروت هذا المجتمع، نحن نموت كل يوم مرّات، حين نحسّ بالعجز .انا لم أعد اطيق الموت، اريد ان اولد، ان اخلق نفسي من ممرات جديدة/ مخيفة، هذا العالم -يا صديقي- لم يعد يتسع لي، اريد جنانا فسيحة و سحابات احلم فوقها، اريد أن احيا.
سيأخذني هذا الحبل بعيدًا بعيدًا،هذا الحبل الطري سيخنقني بوطأة أقل بكثير مما أختنق كل يوم.
ستجدني يجانبك ان احتجتني، فلا تحزن يا صديقي، و اتبعني ان شئت.

ببحث بسيط عن النص وجد أن المدوّن حمادي خليفي قد قام بكتابة رثاء في مدونته الشخصية بعنوان ولادة ميساء على الرابط في 28 حزيران، وفيما بعد تناقلته وسائل الإعلام أنّه منسوب للفتاة.

هذا الأمر أزعج أهل الفتاة مما دفعهم بالإتصال به ودفعه ذلك لتوضيح الأمر على صفحته الخاصة:

أخيرً بشكل أو بآخر وصل الأمر لأحدهم فقام بتحويل جنسية الفتاة لأردنية وإضافة بهارات عليها أنّها إنتحرت بعد أن ضربها أخوها بسبب تدخينها، و أضاف النص على أنّه لها.

وفيما يلي أمثلة على ذلك

ولم يتسنّ لي معرفة أول من نشر الخبر بانه منسوب لفتاة أردنية فذلك يحتاج لبحث متعمّق أكثر.

هذا المثال يبيّن كيفية استخدام محركات البحث ووسائل التواصل الإجتماعي للتحقق من خبر ما ومعرفة صحته، وهي إحدى الطرق التي نعمل عليها في مشروع أكيد أونلاين، الذي سينطلق قريباً إن شاء الله.

شارك التدوينة !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*

يمكن الإقتباس شرط الإشارة للمصدر.