10أغسطس

هل يغيّر التفكير الإيجابي الواقع فعلاً؟

تشير العديد من التجارب السلوكية إلى أنّ الإنسان يفسّر الأحداث بعقله اللاواعي بشكل مختلف عن الواقع الفعلي، مما يجعل المؤثرات المحيطة به عاملاً مهماً في تفسيره لما يجري. على سبيل المثال، يخبرنا مالكوم جلادوبل في حديثه الممتع عن خيارات الناس أنّه إذا كان الشخص من عشّاق الكوكا كولا مثلاً، وقُدم له كأسين من نوعين مختلفين، دون أي إشارة لاسم المنتج مثلاً بيبسي وكوكاكولا، فإنّه سيفشل بمعرفة الكوكاكولا بدقة (أعرف أنّ البعض سيجادل أنّه يستطيع اكتشاف ذلك لكن الواقع مختلف للأسف)ـ رغم أن الطعم لم يتغير لكن الدماغ يفسّر عشق الكوكاكولا ليس للطعم فحسب، وإنما بسبب عوامل أخرى تؤثر فيه مثلاً اللون الأحمر، دعاية أحد المشاهير لها، شكل العلبة وما إلى ذلك من الأمور، وبغياب تلك الأمور يصبح الأمر صعباً، ويتشوش الدماغ.

إنّ نفس الأمر يحدث خلال التداوي من الأمراض، حيث وجدت أيضاً تجارب عدّة أنّ إعطاء أدوية وهمية لا فعالية لها تساعد الناس على التداوي، وشعر نسبة لا بأس بها منهم بالتحسّن لمجرد تناوله الدواء حتى لو كان وهمي. على صعيد آخر عندما تم إخبار الناس أنّ هناك دوائين أحدهما غالي السعر والآخر رخيص، شعر الذين تناولوا الدواء الغالي بالتحسّن، بينما لم يشعر الآخرون الذين تناولوا الدواء الرخيص بأي شيء، رغم أنّ كليهما لهما نفس الفعالية في التجربة.

هنا يجب أن ننتبه إلى أنّ تلك الآثار مهمة، ولكنّها ليست سبباً واضحاً بالشفاء، فالألم هو انعكاس للمرض ولكن لا يعكس المرض بنفس الدرجة، مثل تناول مشروب ساخن من قبل عدة أشخاص، فهو بنفس درجة الحرارة، ولكن كل شخص يمكن أن يعتبر ساخناً لدرجة معينة، فاختلاف استجابة الأشخاص لدرجة حرارة المشروب لا يعني تغيير درجة حرارته الفعلية. بعبارة أخرى، وضع الكولا في كأس مختلف لا يغير تركيبتها وتبقى نفسها، ولكن إدراكنا وتصورّنا لها هو الذي يتغيّر، نفس الأمر تماماً بالنسبة للتداوي، فتلك الأمور تساعد وتغيّر من وجهة إدراك المريض، وتصوراته النفسية وليس من منظور التحسنّات الفيسيولجية القابلة للقياس، كما يشير لذلك أيضاً ستيفن برايرز في كتابه الشائق ثرثرة نفسية.

كنت قد كتبت  تدوينة سابقة عن مخاطر الإفراط في التفكير الإيجابي، وأتابع هناك بعد المقدمة السابقة للوصول للتساؤل الأساسي في التدوينة، وهو “دور التفكير الإيجابي في تغيير الواقع”، فنفس الأمر بالنسبة للتفكير الإيجابي فهو يساعد في مرحلة ما،لكن علينا الانتباه إلى أنّه لا يغير واقع الأمر شيئاً. إنّ التفكير الإيجابي يساعد الشخص في التداوي بسرعة، من خلال تخفيف شعوره بالألم، أو زيادة قابليته للالتزام بالدواء، لكنّه لن يعطي ايعاز خفي للجسم للتداوي. إذا فكرت ايجابياً أنك ستشفى فهذا عامل مهم، لأنّه سيدفعك بالالتزام بالدواء لا شعورياً، والشفاء، وليس لأنّ ذلك التفكير سيجعل الخلايا مقاومة للمرض، وهذا ما يتعلق أيضاً بـ النبوءة ذاتية التحقق.

عندما كنت في مرحلة الدكتوراه، قام زملاء لي بتجربة ممتعة بهذا السيّاق لتفسير ما سبق، إذ زاروا مجموعة من الأشخاص في الحانات، وقاموا بقياس تركيز الكحول في أجسامهم بعد شربهم عدة أكواب من النبيذ، ومن ثمّ  سؤالهم إذا ما كانوا يشعرون بأنهم بكامل تركيزهم أو أن الكحول أثر بهم، وتم الاستعانة بالحد المسموح به لقيادة السيارة للمقارنة.  يمكن أن تتوقعوا بناء على ما سبق أنّ الكثير من الأشخاص اعتبروا أنفسهم انّهم لم يتجاوز الحد الممنوع، وأنّهم يشعرون بوضع طبيعي رغم أن مقياس تركيز الكحول أشار لعكس ذلك، وبالمقابل أشارت الفتيات إلى إحساسهن بتجاوز الحد المقبول رغم أنّ التركيز في الدم ضمن الحد الطبيعي.

بعبارة أخرى حتى تفسير الشخص لتركيز الكحول يختلف وتصوّراته النفسية تلعب دوراً كبيراً في تفسير تلك النسبة، ولكن الحقيقة المهمة أنّ النسبة لم تتغير نتيجة تصوّراته، وتغيير وجهة نظره أنّه ليس ثملاً مثلاً لن توعز للجسم بتغيير نسبة الكحول في الدم، قد تفيده في أن يكون متوازناً وأن يبدو طبيعياً، لكنّها لن تعفيه من غرامة قيادة السيارة تحت تأثير الكحول.

شارك التدوينة !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*

يمكن الإقتباس شرط الإشارة للمصدر.