13يونيو

الجهل بالأسباب خير من اختلاقها

هل حدثَ معك أمرٌ ما ذات مرّة، وسارعتَ بإيجاد تفسيرٍ سببي له؟ حسناً عندما نقوم بأمرٍ ما بسببٍ عشوائي يقوم الدماغ بالإيعازِ بإيجاد تفسير ما لذلك، بعبارة أخرى يقوم الدماغ بتأليف قصةٍ تفسيرية لما قام به، لتبدو كأنها قصة كاملة.

يقول عالم الأعصاب “مارك تشانجيزي”: “يقوم الدماغ ببناء الأشياء، وتشكيل التصورات لكي تساعدنا على البقاء على قيد الحياة، وقد تكون تلك التصورات خيالية أحياناً”، وحسب تشانجيزي يحاول الدماغ أن يستقرئ المستقبل، ويحدث ذلك كثيراً عند رؤية الصور، والتي يوحي الدماغ بأنّها أشكال محددة، ويقوم بتفسيرها وفق تصوّراته المسبقة، كأن ترى لفظاً مقدساً في إحدى الأشجار، أو ترى الغيوم على شكل وجه أو اسم من تحب. بعبارة أخرى، لا يستطيع الدماغُ رؤية الأشكال بشكل مجرد، لذلك يقوم بإسقاطها دوماً ليكون لها معنى.

على سبيل المثال، تتأخرُ بالصدفة عن موعد الباص، فيوعزُ الدماغ مباشرة باختلاق قصة ما، مثل أن سبب تأخيرك مثلاً هو استيقاظك المتأخر اليوم، أو أنّه سبب عدم حملك الموبايل، إلخ  إلخ. يتأخر صديقك بالصدفة عن موعدكم، أو يتأخر بالرد على رسالتك بالواتساب، فيوعز دماغك لك بتفسير سريع أنّه مزعوج منك، وأنّه بسبب جدالك معه البارحة فقد تأخر عليك بالرد أو تأخر عليك بالنزول، وتشعر كأنّ هذا التفسير المختلق من دماغك بأنّه حقيقة فعلية، ويمكن أن تبني عليها في المستقبل قرارات أخرى، وقد يكون السبب الأصلي عشوائياً بحتاً لا يتعلق بك أو بالآخرين، كتأخره بالرد مثلاً ببساطة لأنه نسي هاتفه  صامتاً فعلاً، أو أنّ تأخره بالقدوم لأنه أضاع محفظته واستغرق وقتاً إضافياً في البحث عنها، أو ببساطة لسبب تجهله فعلاً.

ولعلّ أشهر المغالطات المنطقية التي نقع بها في هذا السياق، هي مغالطة السببيّة، حيث نعتقد أن حدوث حدث ما بعد حدث آخر هو دليل أنّه سبب حدوثه، ونتجاهل أنّ ارتباط حدوث أمرين لا يقتضي بأن أحدهما يسبب الآخر، وأنّه ليس بالضرورة أن يكون الحدث  الأول هو سبب الحدث الذي بعده وأنّ الأمر مجرد صدفة لا أكثر، وقد يكون هناك سبب آخر لما حدث.

 تصبح الأمورُ أخطر حين نفسّر النجاح وأحداث المستقبل بناءً على الماضي، ومن ثمّ يختلقُ دماغنا تفسيراتٍ منطقيةٍ لحدوث ما يحدث معنا بسبب الصدفة، الحظ، التوفيق أو القدر، أو بكل بساطة حين يحدث أمر لا تعرفه كسبب لحدوث ما حدث. على سبيل المثال، يرشّحك أحدهم دون علمك لوظيفة ما، أو يقوم أستاذك الجامعي بتوصية لك للحصول على منحة ما، ومن ثمّ تقدّم على الوظيفة وتنالها أو تقدم على المنحة وتنالها، دون علمك بالمعلومة السابقة، فيقوم دماغك باختلاق تفسير يعتمد على ما قمت به، كأن يخبرك أنّ ذلك بسبب السيرةِ الذاتيةِ الرائعةِ التي قدمتها، أو بسبب رسالة التقديم الرائعة، أو لأنّك قمت بتدقيق رسالة التقديم عند مدققٍ أمريكي الجنسية مما جعلها كاملة، أو بسبب استيقاظك مبكراً يوم المقابلة، وغير ذلك من التفسيرات المختَلقَة التي تُشعرك بالراحة النفسيةِ وتقوم بربط الأمور بشكل سببي لملء الفراغ الحاصل بسبب نقصان معلومة ما.

وحين تمر بتجربة مشابهة تقوم بالقيام بنفس الخطوات التي قمت بها سابقاً مُغفلاً بشكل كاملٍ احتماليةَ وجود سببٍ مخفيٍّ لا تعرفه أصلًا، وما يحدث أنّك تكرر نفس الخطوات، ولأنّ السبب المخفيَّ لم يحدث فلا تحصل على نفس النتيجة بكل بساطة، والأنكى أنّك لا تعترف بوجود سبب لا تعرفه وإنما يعود دماغك لاختلاق أسباب أخرى أو تبرير ذلك باتباع أسباب سابقة.

وما يزيد الطين  بِلَّة، هو الوقوع في مغالطة الشخصنة Anecdotal Evidence، حيث يستخدم الشخص قصصاً وتجارب شخصية كبرهانٍ على صحة أمر ما، وأنّها دليلٌ على صحة ما قام به، فيقول لك أحدهم مثلاً، “لقد درست في مدرسة حكومية عمومية، ودخلت كلية الطب”، إذا فدخول المدرسة الحكومية هو أحد أسباب النجاح الدراسي ودخول كلية الطب، ويتجاهل عن عمد أنّ التجارب الشخصية تكون حالة واحدة من حالات كثيرة، فلا نستطيع معرفة ما إذا كانت هذه الحالة شاذة أو مشابهة للحالات الأخرى حتى نعممها للآخرين.

يحدث ذلك أيضاً باستمرار معنا حتى حين نفكر في البحث عن أدلة علمية صحيحة، حيث نقع في فخ الإنحياز التأكيدي والذي يعني أنّنا نبحث عن الأدلّة العلمية التي تتوافق مع رأينا الشخصي، وبالإضافة لذلك يتذكر الإنسان فقط  أكثر التجارب التي تدعم أفكاره وافتراضاته.

والأخطر أيضاً هو اعتماد قصص الآخرين وأسبابهم المختلقة في تقديرك للأمور، وهنا تقع في فخ كبير، تسمع قصة نجاح أحدهم، ومن ثم يخبرك أسبابه التي يثق أنّها السبب في ذلك (والتي اختلقها دماغه كما أسلفت سابقاً)، ومن ثم تقوم باعتماد تلك الأسباب وتكررّها، وتفاجأ أنّك لا تحصل على شيء، وبالعكس قد يتسبب لك ذلك بخسارة كبيرة جداً. أضف لما سبق، مغالطة التعميم المُتحيز، والتي تعني التَوصُّل لأحد الاستنتاجات أو الأحكام بناءً على العديد من المُقدمِات التي لا تتَّسِم بالحياديَّة، وبالتالي تكون المُقدمِاتُ والاستنتاجاتُ مُنحازة لأحد الأطراف دون الآخر، والأنكى من ذلك أنها منحازةٌ لأسباب اختلقها الدماغ  أصلًا.

لنأخذ هذه الحالة مثلاً، إذا أخبرك طالبٌ متفوقٌ أنّ سبب نيله العلامات العالية هي استيقاظه المبكر  كل يوم وتناوله كأساً من العصير الطبيعي قبل  الامتحان، ودراسة المادة أولاً بأول، فلا تصدقه فهذه أسباب اختلقها دماغه بعد النجاح، ولن تجدي معك، ابحث عن الأسباب الخفية التي لن يخبرك بها، ليس بسبب إخفاءها وإنما ببساطة لأنه لا يعرفها أو سيعرفها لاحقاَ، قد تكون هذه الأسباب بسبب مذاكرته لأسئلة السنوات السابقة القديمة والتي تتكرر دوماً، أو بسبب حضوره الدائم للمحاضرات مما يجعله ينتبه للأسئلة الهامة التي يلمّح لها الأستاذ في محاضراته، قد يكون ذلك بسبب زياراته الدورية للأستاذ بعد المحاضرات، وقبل الامتحان مما يجعل الأستاذ بشكل إنساني لا إراديّ، يلمح له للأسئلة المهمة، مهما كانت الأسباب الحقيقية، ما سيحدث أنّ الطالب بعد نجاحه، سيكون قد نسي تلك العوامل واعتقد دماغه أن شرب العصير أو الدراسة الليلية أو استعارة كتاب من المكتبة أو أي سبب منطقي آخر هو أحد أسباب نجاحه، وسيبرّر ذلك ببساطة أنّ شرب العصير مثلاً قد جعله متقد الذهن وحين يعطيك تلك النصيحة وتقوم بإتباعها، فلن تحصل على شيء.

لا يمكن بكل حال من الأحوال إغفال مصطلحات الحظ والعشوائية،القدر والتوفيق، البركة والصدفة، اختر المصطلح الذي تفضّله كما شئت حول ما يحدث، ومع أهمية أخذها بعين الإعتبار في حياتنا، إلّا أنني أريد إضافة استخدام مصطلح جديد نسبياً، وهو “وجود سبب نجهله”. بكل بساطة قد يكون هناك سبب لا نعرفه قد أدى لحدوث أمر ما، وعلينا دوماً أخذ ذلك بعين  الاعتبار والبحث عن هذا السبب الخفيِّ وفهمه فهو طريقنا للنجاح، وليس اتباع الأسبابِ المختلقة التقليديةِ التي يرويها الناجحون لنا والتي لا تسمن ولا تغني من جوع. ليس من الضرورة أن تبحث عن هذا السبب بقدر ما هو مهم أن تعرف أنّ هناك سببًا آخر قد لا  تدركه، وأن لا تركن لما يخبرك به دماغك.

 ابحث حقاً عن الأسباب الحقيقية، وحاول استكشاف الأسباب الخفية، وإذا لم تعرفها فتكيّف مع ذلك، فالطبيعي أن لا تعرفها أصلاً، والإصرار على معرفتها ضرب من ضروب إضاعة الوقت، ولقد نبّهنا القرآن الكريم إلى ذلك، في قصة موسى عليه السلام مع الخضر عليه السلام، وتأكيد السورة الكريمة على “إنك لن تستطيع معي صبرا”، و “كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا”.

شارك التدوينة !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*

يمكن الإقتباس شرط الإشارة للمصدر.