21ديسمبر

نحو نظرة واقعية للنجاح

تلاحقنا كلمة النجاح ببجاحة في كل مكان، وتساهم وسائل التواصل الإجتماعي بترسيخ مفاهيم تبسيطية عن النجاح ورواية القصص الرومانسية التدليسة عنه، والتي تسبب الإحباط لكثيرين لا يدرون بما يجري وراء الكواليس، ومن ثمّ يعتقدون أنه “فاشلون”، بينما انّ كلّ ما في الأمر أنّ هناك مبالغة وتضخيماً، وحتى تبسيطاً كبيراً في تلك القصص، وتركيزاً على تكرار تلك القصص الناجحة، وتجاهل ألاف القصص الأخرى عن الفشل، والتي يمر بها الناس ولا ينشرونها علناً بالطبع، مما يجعل قصص النجاح تبدو كأنها أمر طبيعي وبديهي مع الجميع.

تفتح فيسبوك وتجد صور صديقك وهو يحتفل بنيله شهادة قيادة السيارات مثلاً، او بنشر ورقته العلمية في مؤتمر عالمي محكّم في دولة بعيدة، أو  لربّما صورته وقد سافر لبلد آخر بغرض إلقاء محاضرة، ومن ثمّ لآخر قد حصل على منحة جامعية، وهلمّ جراً.. ولكن  هل فتحت فيسبوك ووجدت ذات مرة صورة شخص وقد نشر أنه فشل في امتحان قيادة السيارات مثلاً؟ هل قرأت منشوراً عن شخص يتحدث عن رفض مقالته العلمية للنشر؟  أو عن شخص يحدثك عن خسارته الكبيرة في شركته الناشئة؟ أو هل وجدت شخص حتى يتحدث عن مصاعب الطريق التي واجهها، هل قرأت منشوراً يقول فيه مثلاً: لقد استغرق مني الأمر عاماً من التحضير حتى كتبت هذا المنشور، أم تجد احتفالاً وكأن الأمر بسيط جداً ولا يتطلب أكثر من سويعات عمل !

تساهم وسائل التواصل الإجتماعية بتعزيز عرض قمة جبل الجليد فقط في قصص النجاح، وخاصة مع ميلها لتعزيز الإختصار ونشر الانجازات وجمع اللايكات للشعور بالراحة النفسية.

وهكذا يرى الناس قمة جبل الجليد فحسب، ولا يلحظون للأسف قاعدته الكبيرة. يقرأ احدهم نيل أحدهم منحةدراسية أو جائزة ما فجأة، ولا يقرأ عن الأعوام التي قبلها والتي قضاها ذلك الشخص في دراسة اللغة وتقديم امتحان التوفل مثلاً. يقرأ أحدهم عن بدء أحدهم عملاّ في شركة ولا يسمع عن عشرات رسائل الرفض التي وصلت لذلك الشخص، وعن بقاءه سنة بدون عمل مثلاً، أو عن جهوده الجبارة في تعلّم تقنيات جديدة.

وعلى أيّة حال، فإن ارتباط كل شيء بكلمة نجاح مزعج حقاً، وأصبح مبتذلاً بعض الشيئ، وخاصة حين اقترانها بتقليد انجازات الآخرين، إذ يسبب ضغط الأقران وخاصة مع فيسبوك ضغطاً نفسياً بأن نجاح الشخص هو بتقليد نجاحات الآخرين وينسى أنّ النجاح هو أمر شخصي يختلف من شخص لآخر.

في الماضي كنّا مدفوعين للنجاح لكي يتم مقارنتا بأولاد عمومتنا وأولاد الجيران وأولاد الأصدقاء لا أكثر ومهما زاد العدد فلن يصل ل20 بأحسن الأحوال آنذاك. أمّا اليوم، فلدى كلّ شخص حوالي 400 صديق فيسبوكي على الأقل، ومنهم لا يعرفهم بشكل شخصي حتى، ويقرأ كل يوم انجازاتهم (والتي قد تكون وهمية)،ويرى أفضل صورهم ( التي تأتي بعد 10 صور فاشلة على الأقل) ومن ثمّ ينال ضغطاً مجتمعياً غير مباشر وهائل لمحاكاة نجاحاتهم، وأن نجاحه فقط هو  في محاكاة ذلك لا أكثر. يرى بعض الأصوات التي نالت منح دراسية فيعتقد أن النجاح هو باكمال الدراسة، ويغفل أنّه لا يرى عشرات الأشخاص الناجحين في عمل آخر لانهم ببساطة لا وقت لديهم ليكتبوا ذلك على فيسبوك  فلا ينتبه لهم أصلاً.

أعتقد أنّ النجاح يحتاج لفلسفة ودية أكثر ، متسامحة أكثر، فقد يكون مجرد البقاء على قيد الحياة هو نجاح بحد ذاته، ولا يمكن ان نكرر جميعنا قصة مؤسس علي بابا، ولا يمكن دوماً اجتزاء تلك القصص وتكرارها فهي مجرد قصص تحاكي ظروف أصحابها، وتكرارها بشكل ساذج هو أمر ساذج، ويجعلنا نخاف من الفشل لاننا نخاف من حكم الآخرين
وكما يقول الين دي بوتون في حديث تيد رائع له:

اكبح جماحك عند الحكم على الناس . ليس بالضرورة ان تكون على علم بالقيمة الحقيقة لشخص ما. فهذا جزء مجهول منهم . و لا يجب علينا ان نتصرف كأنه معلوم هناك مصدر اخر للراحة والعزاء لهذا كله. عندما نفكر بالفشل بالحياة ، عندما نفكر بالفشل، احد اسباب خوفنا من الفشل هو ليس فقط خسارة في الارباح او خسارة في المرتبة. ما نخشاه هو حكم الاخرين و سخريتهم.و هذا موجود حقا


لا يمكن بالطبع أن نكون ناجحين في كل شيء، وإلا لكانت الحياة مثالية، ولا يمكن اغفال الظروف، القدر، الحظ، الصدفة، البيئة المحيطة، جواز السفر والدول التي تدخلك بدون فيزا ! ، لذلك يمكن أن أختم أيضاً يما يقوله الين دي بوتون:

لا يمكنك ان تكون ناجحا في كل شيء صحيح، إنّ أيّ مفهوم عن النجاح يجب ان يتضمن خسارة شيء آخر في المقابل، أي يتضمن مفهوم النجاح عنصر خسارة ضمنه، والشيء الآخر عن الحياة الناجحة هو انه في معظم الاحيان يكون مفهومنا عن ماذا تعني الحياة الناجحة هو ليس مفهومنا الخاص بنا، وإنّما فقد قمنا بتبنيه من قبل الآخرين بصورة عامة
علينا ان نتاكد ان مفاهيمنا عن النجاح هي مفاهيمنا الشخصية حيث علينا ان نفكر بافكارنا نحن ونتاكد تماما اننا نحن الذين نريدها ونحن الذين صنعناها أي اننا نحن صناعُ طموحاتنا .. لانه من السيء ان لا تحصل على ما تريد ولكن الاسوء من هذا ان تكون لديك فكرة عما تريد .. وفي نهاية تلك الرحلة خلف تلك الفكرة تجد نفسك قد لاحقت الفكرة الخاطئة .. لانها لم تكن فعلا ما تريد.

ويمكن مشاهدة حديثه الرائع كاملاً أدناه:

شارك التدوينة !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*

يمكن الإقتباس شرط الإشارة للمصدر.