6نوفمبر

مقدمة عن علم الإقتصاد التجريبي

يعتبر الإقتصاد التجريبي فرعاً من فروع الإقتصاد والذي يركز على دراسة السلوك الفردي ضمن إطار بيئة مختبرية مراقبة، حيث يتم إجراء التجارب Experiments المتنوعة ضمن المختبر، بعد دعوة الأشخاص للقيام بالتجربة، ومن ثم مراقبة التجربة، وقياس أداءها بدقة، ويجب أن تكون التجارب مدفوعة الأجر، بحيث يحصل الشخص المشارك على مبلغ مادي مقابل مشاركته في التجربة، وهذا ما يجعلها مختلفة عن الإستبيانات المجانية الورقية. يساعد الإقتصاد التجريبي على إثبات أو دحض النظريات الاقتصادية، وخلق توقعات ورؤى حول سلوك الأشخاص الحقيقي، ودراسة دوافعهم وسلوكهم.

لقد برز علم الإقتصاد التجريبي بقوة مع نيل الباحث فيرنون سميث جائزة نوبل عام 2002 عن نشاطه البحثي في مجال الإقتصاديات التجريبية، مما وضع هذا الفرع من فروع الإقتصاد بقوة ضمن خارطة البحث العلمي. تمركزت تجارب سميث الأولى حول التوازن النظري للأسعار بالمقارنة مع توازن الأسعار في العالم الحقيقي. كانت الإقتصاديات التجريبة لسميث رائدة لأنه كان يفترض سابقا أن البحث الإقتصادي لا يمكن أن يقوم إلا على الملاحظات والبيانات من العالم الحقيقي، وبذلك كان لعمله حجر الأساس لوضع معايير للإقتصاديات التجريبة الجيدة، ووضعها على خارطة البحث العلمي، مما أدى لانتشارها بقوة إثر ذلك.

فيرنون سميث، الحائز على جائزة نوبل

جاءت فكرة الاقتصاد التجريبي إلى حيز الوجود بسبب أن معظم العمل المطبق في الإقتصاد التقليدي يعود إلى جمع بيانات العالم الحقيقي من القرارات المتخدة خارج سيطرة الإقتصاديين. لنفترض أننا نريد أن نعرف كيف يمكن للتغييرات في الحد الأدنى للأجور أن تؤثر على معدل البطالة للعمال الشباب، لدراسة ذلك علينا أن نبحث عن الدول أو المقاطعات، التي حدث فيها تغيير للحد الأدنى للأجور ومن ثم فحص بيانات البطالة قبل وبعد تطبيق قانون الحد الأدنى لللأجور. يمكن أن تلاحظ أنه وفق المثال السابق لا توجد وسيلة ممكنة لنكون على يقين تام أن أي تغيير في معدل البطالة قد نجم عن تغيير الحد الأدنى للأجور. ببساطة، لا يمكننا أن نكون متأكدين من تلك العلاقة السببية، لأن هناك الكثير من العوامل الخارجية التي تحدث في ظل الإقتصاد والتي يمكن أن تكون قد أثرت بشكل أو بآخر، لربما أن سبب ارتفاع معدل البطالة لا يعود بسبب تخفيض الحد الأدنى للأجور، وإنما بسبب خفض أسعار فائدة الإحتياطي الفيدرالي على سبيل المثال، أو بسبب ارتفاع حاد في أسعار النفط.

يوضح المثال السابق سبب وجود الاقتصاد التجريبي، يبرز هنا دور الإقتصاد التجريبي إذ يهدف إلى  إقصاء هذه العوامل الخارجية من خلال إجراء تجارب في إطار مختبري مراقب، بحيث يتم مراقبة جميع العوامل المؤثرة في التجربة.  قد يقول قائل، لا يمكن اجراء تجربة مثلا لمليون عامل يحصلون على الحد الأدنى للأجور وهذا صحيح طبعاً، لكن على صعيد آخر، يعطينا  الإقتصاد التجريبي فكرة أفضل حول سلوك المستهلكين، كيفية استجابة المستهلكين والشركات، مما يساعد الإقتصاديين على تعزيز نماذجهم النظرية وتدعيمها.

يمكن فهم الإقتصاد التجريبي أكثر بالعودةى لتعريف مجموعة اكونوميكس E-Economics  إحدى المجموعات البحثية الشهيرة التي تجري تجارب اقتصادية عملية والتي تتحدث عن عملها بالآتي: “نجري تجارب عملية على الانترنت لدراسة سلوك الأشخاص ضمن عملية صنع واتخاذ القرار الاقتصادي، إذا ندرس كيف يقوم الناس بالمزايدة في المزادات؟ ما هي أفضل طريقة لدعوتهم للمشاركة في مزاد مراقب بمال حقيقي وملاحظة سلوكهم؟ كيف يفاوض ويساوم الناس؟ يمكننا ضمن التجربة أن نتابع مساومة حقيقية حتى النهاية. الإقتصاد التجريبي هو حقل دراسي يتطلب من الإقتصاديين مواجهة الواقع – هذا الواقع يتمثل في القرارات الفعلية التي اتخذتها  العينة”. لا بد للتذكير مرة أخرى أن المشاركين يحصلون على مال حقيقي جراء مشاركتهم في التجربة، مما يعني دراسة سلوكهم الفعلي الحقيقي قدر الإمكان، ووجود مال حقيقي وليس عيني شرط أساس لاجراء التجارب الاقتصادية العملية. التقطت الصورة التالية من تجربة في مختبر كلية الإقتصاد في جامعة غرناطة.

صورة من المخبر EGEO في جامعة غرناطة، أثناء إحدى التجارب التي أنجزتها خلال فترة الدكتوراه.

 
مثال عن تجربة اقتصادية هل فرص اميلي و جريك للحصول على فرصة عمل أكثر  من عائشة  و جمال ؟

 لكي نفهم أكثر الأبحاث التي تجري في هذا المجال، اخترنا هذه التجربة العلمية المنشورة في مقال علمي عام 2003 وهي عن التمييز العنصري في سوق العمل، وهذه الدراسة بعنوان هل فرص اميلي و جريك للحصول على فرصة عمل أكثر  من عائشة وجمال؟

تهدف هذه التجربة لدراسة أثر التمييز العنصري وخاصة بين البيض والسود، هذا التمييز الذي يمكن أن يتم اكتشافه من خلال الإسم مباشرة في طلب التوظيف. درست هذه التجربة أثر اسم الشخص على حظه في الحصول على عرض عمل مقارنة مع شخص آخر بنفس المؤهلات ولكن باسم مختلف.  إذ غالباَ  يدل اسم الشخص على عرقه أو مكان ولادته بشكل أو بآخر. كان الدافع الأساسي للتجربة أن السود في المتوسط ذو معدل أقل في الأجور، الأرباح، معدلات التوظيف، الثروة، التعليم.

تصميم وتنفيذ التجربة:

أجرت الدراسة تجربة ميدانية لقياس التمييز العنصري في سوق العمل. لتحقيق ذلك الهدف، قام الباحثون بإرسال سير ذاتية وهمية لإعلانات الوظائف في جرائد ببوسطن وشيكاغو، ولدراسة أثر الإسم والعرق، كان يتم تخصيص السيرة الذاتية لإسم إفريقي أمريكي محض، أو اسم أمريكي أبيض محض. فمثلا استخدمت أسماء مثل اميلي وجريك كدلالة للأشخاص البيض،  وأسماء مثل عائشة وعمر وجمال للأشخاص السود. تم إرسال نفس السير الذاتية التي تتضمن نفس المؤهلات تماماً لاعلانات الوظائف، وكان الإختلاف فقط في الاسم، ومن ثم انتظار استجابة رب العمل للسيرة الذاتية المؤهلة.

أوضحت النتائج تمييزاً ملحوظاً ضد الأسماء الأفريقة الأمريكية، بشكل عام حصلت أسماء البيض على 50% زيادة عن  أسماء السود  لدعوات مقابلات العمل. وجدت الدراسة تمييزاً ولو على مستوى أقل حتى في حال السير الذاتية المؤهلة جداً،  حين  تم إرسال سير ذاتية عالية الكفاءة مع تغيير الاسم فقط، حصل أسماء البيض الذين يبعثون بسير ذاتية ذات جودة عالية على 30% اكثر من دعوات مقابلات العمل من نظرائهم السود  رغم ارتفاع كفاءة السود. بعبارة أخرى للأسماء مثل ايميلي فرصة أكثر ب 50 % من اسم جمال بشكل عام، وفي حال التأهيل العالي لكل من اميلي وجمال ، يبقى لـ اميلي  فرصة أكثر ب 30% من جمال. على صعيد آخر  يحظى المتقدمون للوظائف الذين يعيشون في أحياء أرقى بدعوات للعمل أكثر، و المثير للإهتمام أن هذا المؤشر لا يتعلق بالعرق بحد ذاته مثلاً. كان معدل التمييز واحداً مهما تغيرت الوظائف والصناعات سواء تعلق الأمر بالمقاولين التابعين للحكومة، أو أرباب العمل الخاصين الذين يحرصون علناً على إظهار أن اعلانهم يراعي تكافؤ الفرص بين الجميع. أظهرت النتائح أن أرباب العمل يتطرقون لعوامل اخرى في حال عدم وضوح العرق من الأسماء، وعليه يمكن يكون أحد العوامل، الطبقة الإجتماعية أو مكان السكن. توحي هذه النتائج أن التمييز العنصري لا يزال سمة بارزة في سوق العمل. بدون هذه التجربة المتحكم بها، سيكون من الصعب دراسة أثر الأسماء على سوق العمل، وهذا جوهر الإقتصاد التجريبي.

خاتمة:

 يدرس الإقتصاديون التجريبيون ظواهر مشابه لما يدرسه الإقتصاديون التقليديون، إلا أنهما يختلفان في المنهجية. إذ عوضاً عن النظر الى ما وقع في الماضي، يسلك الإقتصاديون التجريبيون نهجاً مختبريا مماثلا للنهج المستخدم في العلوم التجريبية الأخرى كالكيمياء مثلاً.

 المصادر:

 . http://www.investopedia.com/terms/e/experimental-economics.asp

. http://economics.about.com/cs/studentresources/f/experimental.htm

. Bertrand, Marianne and Mullainathan, Sendhil. “Are Emily and Greg More Employable Than Lakisha and Jamal? A Field Experiment on Labor Market Discrimination.” American Economic Review, September 2004, Vol. 94, No. 4, pp. 991-1,013

شارك التدوينة !

2 تعليقان

  1. المقالة جميلة ومختذلة وتعطي فكرة وافية , جزاك الله كل خير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*

يمكن الإقتباس شرط الإشارة للمصدر.