17مايو

كَيْفَ تُغَطِّي الْحَرْبَ في سُورِيَّة باستخدامِ وسائلِ الإعلام الاجتماعي

تتحدث هذه المقالة التي نشرت أول مرة في موقع ساسة بوست، عن دور وسائل الإعلام الإجتماعي في تغطية الأخبار والأحداث في سورية.

مُقدّمة:

وُثِّقتْ أحداثُ الصّراعِ في سُوريّة على وجهٍ غير مسبوقٍ، لم يحدث في التّاريخ من قبل؛ يعود ذلك –بالتّأكيد- إلى الثّورةِ المعلوماتيّةِ الهائلةِ الّتي نعيشُها هذه الأيّام. أتاحتِ الثّورةُ المعلوماتيّةُ كثيرًا من الوسائلِ الحديثةِ الّتي تُستخدَم في رصدِ الأحداثِ وتوثيقها، ولعلّ أبرزها وسائل التّواصل الاجتماعيّة، مثل: مقاطع فيديو (يوتيوب)، ومُشاركات مواقع (فيس بوك)، و (تويتر)، ومُنتديات شبكة الإنترنت المُختلفة؛ تلك الوسائل الّتي حوّلت المُواطن إلى صُحُفيٍّ ينشرُ الأخبار أوّلًا بأوّل.

أتاحتْ تلك الوسائلُ الحديثةُ خدماتٍ جمّة؛ للصُّحفيّين والمحللين السّياسيّين، بإعطائهم القدرة على رصد الأحداث في سُوريّة ومُتابعتها، وذلك دون الاضطرار إلى الوجودِ الفعليِّ في مكان تلك الأحداث، ولا سيِّما أنّ هناكَ صعوباتٍ كثيرة تُواجهُ الصُّحفيّين والمراسلين عند دخولِ مناطقَ عديدة في سُوريّة. لقد أدّى انتشارُ هذا الكمّ الهائل من المعلوماتِ في وسائل الاتصالِ الاجتماعيِّ إلى بروز مُعضلة قويّةٍ عند الاستعانة بهذه المصادر كدليلٍ على وقوع حدثٍ بعينه، ألا وهي: صعوبة التّمييز بين ما هو حقيقي، وما يُفَبرَك بهدف التّضليل.

نَشرتْ مُدوّنة ‹‹فورين بوليسي›› مقالةً لافتةً ضِمن هذا الإطار: وهي بعنوان “كَيْفَ تُغَطِّي الْحَرْبَ في سُورِيَّة بدون أَنْ تُغَادِرَ منزلكَ ؟” حيثُ أشارت إلى تجاربَ ثلاثة مُحلّلين مشهورين مُهتمّين بالشّأن السّوري، يقضونَ جلّ وقتهم في تحليلِ البياناتِ والمعلوماتِ الواردة بواسطة وسائل الإعلام الاجتماعي، ويتحقّقونَ من صحّة تلك المعلوماتِ والأخبار. هؤلاءِ المحلّلون هم (إليوت هيجنز)، الّذي يُديرُ مدوّنة ‹‹Brown Moses››، و(هارون زيلين)، الباحث في معهد واشنطن لشؤون الشّرق الأدنى، و(تشارلز ليستر)، المحلّلُ في مركز ڨي آي إش إس جينس لأبحاث الإرهاب والتمرّد. خصّص المحلّلُون جلَّ وقتهم للاهتمام بتحليلِ تلك البياناتِ والمعلوماتِ الواردةِ من الشّبكات الاجتماعيّة، وعَرَضتِ المقالةُ رأي المحلّلين الثّلاثة المتابعين للشّأن السّوري، الّذين وضّحوا رأيهم في مدى كفاءة شبكة الإنترنت وفعاليّة استخدامها، وأهميّة التّكنولوجيا الحديثة في رصدِ الأحداث الجارية وتوثيقها.

الباحثون الثلاثة الذين تتكلم عنهم المقالة.

الباحثون الثلاثة الذين تتكلم عنهم المقالة.

إليوت هيجنز:

نبدأ مع (إليوت هيجنز) وهو مُدوّن بريطاني من مواليد سنة 1979، أسّسَ (هيجنز) مُدوّنة Brown Moses المعنيّة بالشّأن السّوري، حيثُ يُتابع ما يقرب من (500) قناة من موقع نشر مقاطع الفيديو ومُشاركتها (يوتيوب)، إضافةً إلى أنّه ينشرُ باستمرارٍ مقاطعَ فيديو عن الأحداثِ الجاريةِ في سوريّة ضمن قناة مدوّنتهٍ على الـ (يوتيوب)، وله مجموعةٌ من المقالاتِ المنشورةِ في الصّحفِ الأجنبيّة. وقد استطاعَ جمعَ نحو (5400) جنيه إسترليني كدعم ماديٍّ لمدوّنته من طريقِ موقع حملات التبرّع الماديّة (indiegogo).

تحدّثَ (هيجيز) عن عمله قائلًا: ››بعد قضاء عدّة سنواتٍ في مُشاهدة المقاطع القادمة من سوريّة وفحصها، يُمكنني القول: إنّني رأيتُ الأحداثَ تُعيد نفسها، وتتكرّرُ مرّة تلو الأخرى؛ ولذا حال حدوث شيء مُختلف فهو يلفت انتباهي مُباشرة وبشدَّة‹‹. يطرح (هيجيز) أحد الأمثلة عن ذلك عندما لاحظَ ذات مرّة -من طريق مُتابعة ما ينشرهُ المعارضون المسلّحون في الشّبكاتِ الاجتماعيّةِ (الجيش الحر)- أنّهم يستخدمونَ عددًا ضخمًا من الأسلحةِ كرواتيّة الصّنع. كانت مُلاحظته لصور تلك الأسلحة من طريق ملفّات الفيديو الّتي ينشرها المسلّحون. لقد كان هذا الاكتشاف بمنزلةِ شرارة بدءِ تحقيقٍ واسعِ النّطاقِ بدأتْ بهِ جريدة ››نيويورك تايمز‹‹، الّذي انتهى بالتوصّل -بعد المقارنة بين الصّور الّتي نشرها المسلّحون وصورة الأسلحة الكرواتيّة الفعليّة- إلى استنتاجٍ مُهمٍّ، وهو: أنّ المملكة العربيّة السّعودية اشترَت هذه الأسلحة الكرواتيّة!

هارون ي. زيلين:

بينما صبَّ (هيجنز) جلَّ اهتمامهِ على المعاركِ والأسلحة، درسَ بعض المحللين الآخرين أركانًا أُخرى ضمن هذا الصّراع، ومن هؤلاء (هارون زيلين) الّذي درسَ الجماعات الجهاديّة في سوريّة، حيثُ يُعَدُّ (هارون زيلين) أحد الباحثين المشهورين في اهتمامهِ بالجماعاتِ الجهاديّة، ويعمل في معهد واشنطن لسياساتِ الشّرق الأدنى.

وَفْقَ (زيلين)؛ فقد تطلّب هذا النّوع من الأبحاثِ مجموعة مُختلفة من المصادر، وعن هذا يقول: إنّه فحصَ مُنتديات تنظيم القاعدة على شبكة الإنترنت لمعرفة أيّ أخبارٍ جديدةٍ تتعلّق بجبهةِ النُّصرة، وفَحصَ الصّفحةَ الرّسميةَ للجبهةِ الإسلاميّةِ السّورية على شبكةِ التّواصلِ الاجتماعي (فيس بوك) أيضًا. يقولُ (زيلين): إنّه دائمًا ما كان يبحثُ عن أيّ مُلاحظات، أو إخطاراتٍ استشهاديّةٍ يكتبُها الأجانب على المنتديات الجهاديّة تُوحي بقرب تنفيذهم لعمليّاتهم، ومُتابعة صفحاتهم الشّخصيّة سواء في (الفيس بوك) أو (التويتر).

وَفْقًا لـ (زيلين)، يُمكن لهذه الصّفحات الرّسميّة للجماعاتِ الجهاديّةِ على (الفيس بوك، والتويتر)؛ أن تُعطينا لمحةً إلى السّياسةِ الدّاخليّةِ للمُعارضة المسلّحة، تُوضّح حجم قوّتهم الحقيقيّة. على سبيل المثال، عندما تُعلنُ إحدى هذه المجموعاتِ المسلحةِ عن عزمها شنّ غارةٍ هجوميّةٍ على مِنطقةٍ ما، ثُمّ عرض هذا الهجوم على (يوتيوب)؛ فإنّ هذا يُعطيهم مصداقيّة، ويوضّح أنّهم مجموعةٌ حقيقيةٌ لهم قوّة فعليّة على الأرض، وليسوا من الجماعاتِ الّتي تُحارب من طريق نشر بياناتٍ باستخدام (اليوتيوب) فقط. من طريقِ ذلك يُمكن تقدير أعداد المقاتلين الحقيقيّة، وقوّتهم الفعليّة، ونفوذهم على الأرض.

تشارلز ليستر:

نختمُ المقالة مع المحلّل الثّالث (تشارلز ليستر)، وهو زميلٌ زائرٌ بمركزِ بروكنجز الدّوحة الّذي تُركّز أبحاثه على تقييم حالة التمرّد في سوريّة، مع إيلاء اهتمام خاص لنموّ الجماعاتّ السّلفيّة والجهاديّة.

يَقضي (ليستر) عدّة ساعات يوميًّا في مُتابعة أخبار الجماعاتِ المسلّحة الّتي تُحَدَّثُ بسُرعةٍ على وجهٍ دوريٍّ في شَبكاتِ التّواصلِ الاجتماعي. يقول (ليستر) عن ذلك: إنّه اكتشف أنّ هؤلاء المسلّحين لديهم رغبةٌ كبيرةٌ في عرضِ إنجازاتهم، ولديهم حرصٌ كبيرٌ على تزويد الشّبكاتِ الاجتماعيّةِ بأحدث أخبار المعارك، ومقاطع الفيديو والصّور أيضًا. إضافةً إلى المذكور آنفًا، يُشير (ليستر) إلى ترحيبِ عددٍ من المجموعاتِ الرّئيسة بإجراءِ مُقابلاتٍ معهم؛ لمناقشة أمور تتعلّق بسياساتهم وعمليّاتهم العسكريّة الّتي ينفّذونها؛ ولكن مع تلك الإيجابيّة، هناك مُشكلة واحدة كما يشير (ليستر)، وحقيقة إنّها مشكلةٌ كبيرةٌ فعلًا، ألا وهي: مُحاولة أطراف الصّراع المختلفة في سوريّة استخدام مقاطعَ فيديو (يوتيوب) ومشاركات (الفيس بوك) بطريقةٍ تَرمي إلى تصدير صورةٍ مُعيّنة عن الصّراع للمُراقبين الخارجيّين، وعلى عكس المراسل الموجود في بؤرة الأحداث، فإنّ هذه المصادر الإلكترونيّة لا يُمكنها استنباط الأحداث من مصادرَ أخرى للتحقّق منها، أو سماع وجهة نظر مُختلفة، كالتحدّث مع مصدرٍ آخر، أو زيارة قرية أخرى ليتأكّد لهم ما يسمعونه.

أحد الأمثلة على عيوب الاعتماد على تغطيةِ الوسائلِ الاجتماعيّة، هو أنّه يُمكن أن تُعطي فكرةً مغلوطةً عن أهميّة حَدَثٍ مُعيّنٍ أو قريةٍ ما. على سبيل المثال: إذا رُفِعَتْ عشراتٌ من مقاطع الفيديو إلى (يوتيوب) لاشتباكٍ محدودٍ في قريةٍ صغيرة، يُمكن أن يُوحي هذا العددُ الكبيرُ من المقاطعِ الّتي رُفِعَتْ بوقوعِ حدثٍ جلل، وهو عكس ما حدث في الواقع. على الجانب الآخر؛ قد يقعُ حدثٌ كبيرٌ، ولا يُنْتَبهُ له؛ لانقطاع الإنترنت، أو عدم تحميل مقاطع (اليوتيوب) الّتي تتحدّث عنه. أضف إلى ذلك ضرورة التَّحقُّق من تلك المصادر وصحتها بكلّ الأحوال.

خاتمة:

لقد أضحت وسائل التواصل الاجتماعية حجراً أساسياً للصحفيين لتغطية الأخبار في مناطق الصراعات، ويُمكن أن نختم بالقول: إن المصادرَ الالكترونيّة، إذا ما استُخدمت بوجهٍ صحيحٍ؛ يُمكن أن تُكْمِلَ عمل الصُّحفيّين والمراسلين؛ إلّا أنّه يجبُ التّحقّق من صحتها بوجهٍ كاملٍ قبل اعتمادها مصدرًا لتوثيق الأحداث.

تم نشر المقالة أول مرة في موقع ساسة بوست
المقالة مترجمة من مقال تم نشره في موقع الفورين بوليسي هنا.

شارك التدوينة !

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*

يمكن الإقتباس شرط الإشارة للمصدر.