طرحت ذات مرة سؤالاً على صفحتي على فيسبوك للتفكير خارج الصندوق يتضمن سؤالاً في ظاهره سخيف، وهو كيف تفضّل شرب القهوة مع حليب أو بدون حليب، وإليكم ما أريد الإشارة لهم بعيداً عن النتائج التي صوتت لشرب القهوة بدون حليب طبعاً، والتي أصوّت لها أيضاً.

Image result for coffee vs coffee with milk

حين يتم سؤالنا عن رأينا في أي موضوع، أو خيارنا الذي نفضّل اتخاذه، لا نعطي غالباً سلوكنا الحقيقي الفعلي، ولا يعود السبب أبداً إلى تدليس منّا أو عدم رغبة في ذلك أبداً.

كل ما يحدث أن السلوك النظري مختلف تماماً عن السلوك الحقيقي، وعليه في السلوك النظري يكون لدينا ترف التفكير بالخيارات المثالية، والتفكير برأي المجتمع، والتفكير بشكل مثالي، ولكن عملياً وحين نتخذ القرار نتخذه بناء على مؤشرات اخرى وغالباً ما يكون قرارنا غير عقلاني في الحياة العملية ولربّما بعيد عن المثالية التي ننشدها.

في الحياة المثالية مثلاً، ستخبر صديقك أنّه إذا كان لديك طفلة فستشتري لها لعبة لتنمية الذكاء مثلاً وستكون واثقاً من ذلك، لكن حين يأتي ذلك الموقف عملياً، وتذهب فعلياً لشراء هدية ستشتري لها ذلك الدب الكبير وتنسى لعبة الذكاء! لأن الدب بكل بساطة يحيط بك في كل مكان، بينما لعبة الذكاء تتطلب منك البحث أكثر عنها!

لنعد لمثال القهوة، يقول مالكوم جلادويل -كاتبي المفضّل- في حديث شهير له، حين نسأل الناس عن رأيهم بالقهوة، فسيعطون الإجابة التالية:

قهوة سوداء غامقة، بدون حليب.

Image result for coffee

ويشير مالكوم أنّ تلك الإجابة متوقعة لأنها الإجابة المثالية في المجتمع، والتي يتعارف الجميع أنّها مميزة فالقهوة الحقيقة هي الغامقة، المركزة، بدون حليب!

ولكن ماذا يحدث إذا غيرنا اللعبة وبدل أن نسألهم عن رأيهم، وضعنا لهم أكواب من القهوة المتنوعة على الطاولة، قهوة، قهوة بحليب ( او سمّها كابتشينو ) فماذا سيختارون؟

Image result for coffee

سيختار الغالبية القهوة مع حليب، لأنّه حين ذلك يصبح القرارعملياً تنفيذياً، وليس حبراً على ورق.

حين يذهب الناس للمقهى يطلبون قهوة بحليب بمختلف أنواعها و يغفلون إجاباتهم المثالية التي طرحوها بأنّهم لا يتخيلون القهوة مع حليب أصلاً، فهي الآن اسمها موكا، أو كابتشينو أو اي اسم آخر .. و يفكر دماغهم بأنه لا جدوى للجلوس في المقهى من أجل مجرد قهوة يمكنه أن يصنعها في البيت بسهولة نسبياً.

ما أريد أن اصل له، أن الإستبانات لا تعطيك أي نتيجة في أي بحث فالمشاركون يعطون إحدى الإجابات التالية:

  • إجابة مثالية
  • اجابة متوافقة مع المجتمع
  • اجابة مفبركة

و مهما كانت الإجابة فهي مجرد صدفة أن تتشابه مع السلوك الحقيقي الفعلي..

في إحدى تجاربي خلال التحضير للدكتوراه في الإقتصاد السلوكي واتخاذ القرار في جامعة غرناطة (إسبانيا)، قام المشاركون بتغيير رأيهم بنسبة وصلت ل 92% حين أخبرناهم في نهاية التجربة أنّ عليهم اتخاذ قرارهم النهائي والذي ستكون تبعته نيل مكافأة مادية.

هل تتخيل ذلك ..؟

اختار المشاركون خياراً بالبداية جازمين أنّه الأفضل ولكن حين تم إخبارهم أن الأمر ليس مجرد استبيان وإنما ستنال مكافأة مادية هذه المرة ( حوالي 20 يورو) قام معظمهم بتغيير خياره إلى الخيار الذي يؤمن به فعلياً دون تجميل .. فهو غير مستعد لخسارة مكافأة مادية من أجل اعطاء اجابة مثالية ..

وعليه:

إذا كنت تنوي بيع خدمة ما، فانتبه من فخ الإستبانات ورأي الزبائن بم يفضلونه، والأفضل التفكير بطريقة عملية مخبرية لاختبار ما يفضلون بشكل عملي مبني على التجارب والمبيعات الفعلية واهرب مما يخبرونك به بأنهم يفضلونه ..

Image result for questionnaire

هم لا يغشونك .. هم ببساطة لا يعرفون، ولن يقتتعوا أصلاً ان سلوكهم الحقيقي غير عقلاني ..