في مقالة مهمة في فاينانشال تايمز، ناقش المؤرخ الشهير وعالم المستقبليات “يوفال نوح هراري” شكل العالم بعد فيروس كورونا، ويوفال نوح هراري لمن لا يعرفه هو مؤلف كتاب “العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري” الذي تصدّر في نسخته الإنجليزية مبيعات الكتب حسب قائمة النيويورك تايمز، إذ تُرجمَ لأكثر من 45 لغة منذ صدوره عام 2011، والذي يستعرضُ ويحلل السمات الكبرى التي طبعت تاريخ النوع البشري منذ تطوّره وحتّى القرن الحادي والعشرين.

تواجه البشريّة حاليًا أزمةً عالميةً بالتصدي لفيروس كورونا، ولعلّ أكبر أزمة حاليًا ليست الفيروس بحدّ ذاته، وإنّما القرارات التي نتخذها بشأنه، والتي ستبني صورة مستقبلنا. ستشكّل القرارات التي تُتّخذ الآن العالمَ على الأرجح لسنوات قادمة، سيعاد تشكيل أنظمة الرعاية الصحية والاقتصاد والسياسة وحتى الثقافية، وبقدر ما يجب أن نتصرف بسرعة وحسم بقدر ما يجب علينا الأخذ بعين الاعتبار عواقب المدى لأفعالنا عند الاختيار بين البدائل المتاحة، ولذلك يجب أن نسأل أنفسنا ليس فقط عن كيفية التغلب على التهديد الفوري للفيروس، وإنّما أيضًا أي نوع من العالم سنعيش بمجرد مرور تلك العاصفة وتحقيق تلك الإجراءات.

يجيب يوفال بشكل مباشر:

نعم ستمر العاصفة، ستبقى البشرية على قيد الحياة، سيظل معظمنا على قيد الحياة، ولكن سنعيش في عالم مختلف، وسنعيش تبعات تلك الإجراءات التي تجري الآن.

وحسب يوفال نوح، لدينا تحدّيان أساسيان حاليًا في هذه الأزمة، الأول: بين المراقبة الشمولية وتمكين المواطن، والثاني: بين العزلة القومية والتضامن العالمي، ويحكم ذلك مجموعة من التدابير التي تُتّخذ حاليًا.

أثر تدابير الطوارئ

تُمرَّر الكثير من القرارات في حالة الطوارئ، وبسبب ضيق الوقت؛ فالحجة دائمًا جاهزة ومنطقية، وبالتالي فإنّ العديد من تدابير الطوارئ التي تتّخذ حاليًا بحجة أنّها مؤقتة وقصيرة الأجل ستصبح مع الزمن دائمةً وعنصرًا من عناصر الحياة. نعم هذه هي طبيعة حالات الطوارئ، إنها تقدم الأمور بسرعة، وتمرّر القرارات بسرعة كبيرة، والتي في الأوقات العادية قد تستغرق سنوات من المداولات.. ففي غضون ساعات، توضع التقنيات غير الناضجة بالخدمة، ويُمارس الضغط بشكل كبير لتطبيقها، وذلك بحجة أنّ عدم القيام بأي شيء هو أخطر من القيام بشيء غير كامل.

التجارب الاجتماعية الشاملة

حاليًا، تجري دول بأكملها تجارب اختبار اجتماعية واسعة النطاق تشمل الملايين معًا أو حتى عشرات الملايين، خذ على سبيل المثال التجربة الاجتماعية في الوقت الراهن: ماذا يحدث عندما يعمل الجميع من المنزل ويتواصلون فقط عن بعد؟
تجربة أخرى شائقة (إذا صح لي استخدام كلمة شائقة): ماذا يحدث عندما تصبح المدارس والجامعات بأكملها عن بعد عبر الإنترنت؟ في الأوقات العادية، لن توافق الحكومات والشركات والمجالس التعليمية على إجراء مثل هذه التجارب، لكننا نعيش أوقاتًا استثنائية، وستمر الإجراءات بسرعة، وما كان يتطلبه الأمر سنوات سيُقبل به بدقائق.
هل تتخيل في الأوقات العادية أن يقبل مجلس جامعة إجراء اختبارات للطلاب عن بعد أو دون الحضور للجامعات؟ الآن سيتقبلون ذلك وربّما يصبح عادة مستقبلًا، من يدري؟

التكنولوجيا والمراقبة

من أجل وقف الوباء؛ يجب على جميع السكان الامتثال لبعض القواعد الإرشادية، فطبّقت بعض الدول قانون الطوارئ واستعانت بالجيش أو الشرطة، وفضّلت دول أخرى الحظر الطوعي، ووظّفت وأخرى التكنولوجيا لتسيير أعمالها. بشكل عام، هناك طريقة عامة معروفة لجعل الناس يمتثلون لذلك، وهي: أن تراقبهم الحكومة ومن ثمّ تعاقب من يخالف القواعد.

إننا نشهد لأول مرة توظيف التكنولوجيا في ذلك لمراقبة الجميع معًا بالضبط كما فعلت الصين. ففي الصين، وُظّفت المراقبة الدقيقة لهواتف الأشخاص الذكية من أجل الاستفادة منها ومن مئات الملايين من كاميرات التعرُّف على الوجه، وإجبار الناس على فحص وتقرير درجة حرارة أجسادهم وحالتهم الطبية.

في الصين، لا يمكن للسلطات الصينية أن تحدد بسرعة الفيروس للمشتبه به فقط، وإنما أيضًا تتبع تحركاتهم وتحديد أي شخص تواصلوا معه وأي مكان دخلوا له، وهكذا تحذر مجموعة من تطبيقات الهاتف المواطنين من الاقتراب من أي شخص قد يشتبه بأنه مريض مباشرة بحسب مكان تواجدهم!

ليس الوضع أفضل في الدول الديمقراطية؛ فقد بدأت حالة الطوارئ بالسماح بتمرير قوانين لم يكن لتمر قبل ذلك، مثلًا: في إسرائيل، صُدر قرار ينص على: يسمح للوكالة الأمنية باستخدام تكنولوجيا المراقبة للإرهابيين لتعقب مرضى الفيروس. إنَّ هذا القرار لم يكن ليمر بالبرلمان لولا إعلان قانون الطوارئ.

نحن مراقبون الآن أكثر فأكثر

من المهم أن نتذكر أنّ المشاعر مثل الغضب والفرح والملل والحب هي أمور بيولوجية المظهر وتشبه الحمى والسعال. بعبارة أخرى، إنّ نفس التكنولوجيا التي تحدد السعال يمكنها تحديد الضحكات أيضًا. إذا بدأت الشركات والحكومات حصاد بياناتنا البيومترية بشكل جماعي، فإنه يمكنهم التعرُّف علينا بشكل أفضل، كما يمكنهم التعرُّف علينا أكثر مما نعرف أنفسنا، وعندها لا يمكنهم التنبؤ بمشاعرنا فحسب، بل يتلاعبون أيضا بمشاعرنا ويبيعوننا أي شيء يريدونه، سواء كان ذلك منتجًا تسويقيًا أو أمرًا سياسيًا. في المستقبل، ستجعل المراقبة البيومترية الأمور التي قامت بها تحليلات “كامبريدج أناليتيكا” تبدو وكأنها قادمة من العصر الحجري.

المستقبل ليس ورديًا

قد يجادل البعض أن ما يجري هو أمرٌ مؤقت ويحدث بسبب الطوارئ، لكن الكثير يعرف أن ما يُقرَّر في حالة الطوارئ يبقى طويلًا بعدها ولا يُلغى. لديك في ذاكرتك الكثير من الذكريات ولا داعي لأذكرك بها.

ببساطة، ستجادل الحكومات أنها مضطرة للإبقاء على التدابير الحالية بحجة عدم عودة الفيروس من جديد كإجراء احترازي، ولن يكون صعبًا إقناعك بذلك. قد تبقى الحدود مغلقة بحجة عدم استقبال مشتبهين حاملين الفيروس، وقد تتحول قاعات السينما إلى قاعات فردية بأجهزة vr للحفاظ على التباعد مسافة متر بين الناس للأبد.

ستؤدي تلك الإجراءات لعزلة قومية، سيُسمح بالسفر مرة أخرى ولكن سيتقبل الجميع أنه من الممكن فرز الناس إلى نوعين: من يمكن السماح له بالسفر أو لا، وقد يكون ذلك بحسب أهمية عمله أو مكان إقامته أو جنسيته! هل تتخيل عودة السماح بالسفر من دول العالم الثالث التي تفشى فيها الفيروس مثلاً؟ أو حتى ضمن دول الاتحاد الأوربي نفسه؟
من الآثار التي يجب أن نخشاها فعلًا، زيادة العزلة القومية، وستطلب الدول الاعتماد على أنفسها أكثر بدل حالة العولمة السابقة.

في الختام، أختم كما بدأ يوفال مقالته بالقول:

نعم، ستمر هذه العاصفة، ولكن الخيارات التي نتخذها الآن ستؤدي لتغيير حياتنا لسنوات قادمة…